وكالة مهر للأنباء: لقد وصف العديد من باحثي العلاقات الدولية وعلماء الاجتماع السياسي، بل وحتى بعض المنتقدين الداخليين لإسرائيل، هذا الكيان بأنه مثال على "الدولة الثكنة" ؛ وهو هيكل يُعتبر فيه الجيش أحد أهم الفاعلين في مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والهوية. فبينما تعتبر معظم الدول جيشها أحد مؤسسات الدولة، فإن الدولة في إسرائيل تشكلت إلى حد كبير حول محور الجيش ومتطلباته الأمنية. ولهذا السبب، يعتقد المحللون أن إسرائيل ليست فاعلاً يمتلك جيشاً، بل هي جيش أنشأ الكيان.
من المشروع الاستعماري إلى الدولة الأمنية
تعود جذور عسكرة "إسرائيل" إلى ما قبل تأسيس هذا الكيان. فخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، لعبت المنظمات شبه العسكرية الصهيونية مثل "الهاجاناه" و"الإرجون" و"شتيرن" الدور الرئيسي في دفع مشروع احتلال الأرض الفلسطينية. وبعد إعلان تأسيس إسرائيل، شكلت هذه المجموعات نفسها النواة الأولى لجيش الكيان.
ولهذا السبب، هيمن المنطق الأمني على البنية السياسية الإسرائيلية منذ البداية. وفي العقود التالية، أدت الحروب المتعددة مع الدول العربية، واحتلال الأراضي الفلسطينية، ومقاومة الفصائل الفلسطينية، والأزمات الأمنية المستمرة، إلى تحويل الجيش إلى أهم مؤسسة في الكيان الصهيوني.
اليوم، جميع القرارات الكبرى لهذا الكيان، من السياسة الخارجية إلى الميزانية العامة والتخطيط الاستراتيجي، تتأثر بالاعتبارات العسكرية.
الجيش؛ العمود الفقري للمجتمع الصهيوني
أحد أهم مؤشرات كون "إسرائيل" ثكنة عسكرية هو المكانة الخاصة للجيش في الحياة الاجتماعية. لا تزال الخدمة العسكرية الإلزامية سارية المفعول بالنسبة لجزء كبير من السكان اليهود في هذا الكيان، وملايين الإسرائيليين لديهم اتصال دائم بالجيش في شكل قوات احتياط. ففي العديد من الدول، يُعتبر الجيش مؤسسة منفصلة عن المجتمع، ولكن في إسرائيل، تلاشت الحدود بين المجتمع والجيش إلى حد كبير. المدارس والجامعات ووسائل الإعلام وحتى البرامج الثقافية تعمل في إطار الخطاب الأمني والعسكري. كما يُعتبر القادة السابقون في الجيش تقليدياً أحد أهم مصادر إنتاج النخبة السياسية. فالعديد من رؤساء الوزراء والوزراء وكبار المسؤولين الإسرائيليين لديهم سابقة خدمة في الجيش أو المؤسسات الأمنية. من هذا المنظور، لا يُعد الجيش منظمة عسكرية فحسب، بل هو مصنع لإنتاج القوة السياسية في الكيان.
اقتصاد الحرب والاعتماد على الصناعات العسكرية
من السمات الأخرى للدول الثكنة هو الاعتماد الواسع للاقتصاد على القطاع العسكري. لقد كان الكيان الصهيوني على مدى العقود الماضية واحد من أكبر منتجي ومصدري المعدات العسكرية في العالم. جزء كبير من الاستثمارات التكنولوجية والبحوث العلمية والتطوير الصناعي لهذا الكيان هو في خدمة احتياجات الجيش. فالعديد من التقنيات المستخدمة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة وأنظمة المراقبة تم تطويرها في البداية لأغراض عسكرية ثم دخلت القطاع المدني. كما أن المساعدات العسكرية الأمريكية بمليارات الدولارات تلعب دوراً مهماً في الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي. هذا الاعتماد الواسع على الميزانيات الدفاعية والصناعات العسكرية جعل من الأمن والحرب أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الإسرائيلي.
مجتمع يُعرّف بالتهديد الدائم
من السمات الأخرى للدولة الثكنة هو إعادة إنتاج الشعور الدائم بالتهديد بين المواطنين. ففي الكيان الصهيوني، أصبح مفهوم "التهديد الوجودي" أحد أسس الهوية السياسية. حاولت الحكومات الإسرائيلية المختلفة على مدى العقود الماضية دائماً إبقاء المجتمع في حالة استنفار دائم. فمن البرنامج النووي الإيراني إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، ومن حزب الله اللبناني إلى التطورات الإقليمية، كلها أعيد تعريفها في إطار رواية أمنية للرأي العام الإسرائيلي. هذا الجو الأمني يجعل جزءاً كبيراً من المجتمع يتقبل السياسات المتشددة وزيادة الميزانية العسكرية والعمليات العسكرية الخارجية. بعبارة أخرى، تحول الشعور بالتهديد إلى أداة للحفاظ على التماسك الداخلي وإضفاء الشرعية على السياسات الأمنية.
الأزمات الأخيرة وكشف مواطن الضعف في الثكنة الإسرائيلية
على الرغم من امتلاكها واحداً من أكثر الجيوش تقدماً في العالم، أظهرت تطورات السنوات الأخيرة أن العسكرة المكثفة لا تخلق بالضرورة أمنًا مستدامًا. لقد قدمت عمليات المقاومة الفلسطينية، والحروب المتكررة في غزة، والمواجهة مع حزب الله اللبناني، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، صورة مختلفة عن الواقع الأمني الإسرائيلي.
/انتهى/
تعليقك